ابن حمدون

186

التذكرة الحمدونية

أمير المؤمنين كالأمّ الشفيقة ، البرّة الرفيقة بولدها ، حملته كرها ، ووضعته كرها ، وربّته طفلا ، تسهر لسهره ، وتسكن لسكونه ، ترضعه تارة ، وتفطمه أخرى ، وتفرح لعافيته ، وتغتمّ بشكاته . والإمام العدل يا أمير المؤمنين كالقلب بين الجوارح ، تصلح الجوارح بصلاحه ، وتفسد بفساده . والإمام العدل يا أمير المؤمنين هو القائم بين اللَّه وبين عباده ، يسمع كلام اللَّه ويسمعهم ، وينظر إلى اللَّه ويريهم ، وينقاد للَّه ويقودهم . فلا تكن يا أمير المؤمنين فيما ملكك اللَّه كعبد ائتمنه سيّده ، واستحفظه ماله وعياله ، فبدّد المال ، وشرّد العيال ، فأفقر أهله ، وأهلك ماله . واعلم يا أمير المؤمنين أنّ اللَّه أنزل الحدود ليزجر بها عن الخبائث والفواحش ، فكيف إذا أتاها من يليها ؟ وأنّ اللَّه أنزل القصاص حياة لعباده ، فكيف إذا قتلهم من يقتصّ لهم ؟ [ 1 ] « 573 » - قال مالك بن أنس : بعث إليّ أبو جعفر المنصور وإلى ابن طاووس ، فدخلنا عليه وهو جالس على فرش قد نضدت ، وبين يديه أنطاع قد بسطت ، وجلاوزة بأيديهم السيوف يضربون الأعناق ، فأومأ إلينا أن اجلسا ، فجلسنا وأطرق عنّا طويلا . ثم التفت إلى ابن طاووس فقال له : حدثني عن أبيك ؛ قال : نعم ، سمعت أبي يقول : قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وعلى آله : إنّ أشدّ الناس عذابا يوم القيامة رجل أشركه اللَّه في حكمه فأدخل عليه الجور في عدله ، قال مالك : فضممت ثيابي مخافة أن يملأني دمه . ثم التفت إليه أبو جعفر فقال : عظني يا ابن طاووس ، قال : نعم يا أمير المؤمنين ، إنّ اللَّه تعالى يقول : * ( ( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ . إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ ) ) * إلى قوله * ( ( إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ ) ) *

--> « 573 » العقد 1 : 54 - 55 وسراج الملوك : 64 ونهاية الأرب 6 : 53 والعقد الفريد للملك السعيد : 56 .